محمود محمود الغراب

43

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

فإذا ذهب المحسوس عن حسه في ظاهر الصورة ، كما يذهب في حق النائم ، انصرف الحس إلى الخيال ، فرأى مثال محبوبه في خياله ، وقرب من قلبه ، فرآه من غير مثال ، لأن الخيال ما بينه وبين المعنى واسطة ولا درجة ، كما أنه ليس بينه وبين المحسوس واسطة ولا درجة ، فهو واسطة العقد ، إليه ينزل المعنى وإليه يرتفع المحسوس ، فهو يلقى الطرفين بذاته وهو أوسع الحضرات ، فإنه الحضرة التي يتجلى فيها الحق لعباده وتظهر فيها الأسماء الإلهية ممثلة ، فهو حضرة تجسد المعاني والروحانيات ، ولذلك كان مسرح عيون العارفين ، فإذا انتقل العارف أو المحب من المحسوس إلى الخيال ، قرب من معنى المحبوب ، فشاهده في الخيال ، ممثلا ذا صورة ، وشاهده وهو في الخيال ، لما عدل بنظره إلى حضرة المعاني المجاورة لحضرة الخيال ، عاين المعنى مجردا عن المثال والصورة ، ثم نظر إلى المثال وإلى المحسوس ، فعلم أنه لو تصور هذا المعنى في المحسوس لكان جميع صور المحسوسات صورته « 1 » ، فغاب هذا الشاهد عن شهود كل محسوس أنه غير صورة محبوبه ، بل كل محسوس صورته محبوبه ولا بد ، فذهب عند صورة المحسوس أنها غير صورة محبوبه ، فصار يشاهده في كل شيء ، فهذا المحب ذاهب في صور المحسوسات كلها أنها صورة عين محبوبه ، فلا يزال في اتصال دائم في عالم الحس وفي حضرة الخيال وفي حضرة المعاني ، ولهذا يقول : أنا من أهوى * ومن أهوى أنا ومثل هذا قلنا في قصيدة : أنا محبي أنا حبيبي * أنا فتاي أنا فتاتي وقلنا أيضا : فإنني ما عشقت غيري * فعين فصلي عين اتصالي ( ف ح 2 / 345 ، 389 ، 390 ) فكما أنه لا يفتقر إلى غيره تعالى ، كذلك واللّه لا يحبّ في الموجودات غيره ، فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب ، وما في الوجود إلا محب ، فأعين العالم المحبون منه ، كان المحبوب ما كان ، فإن جميع المخلوقين منصات تجلي الحق ، فالعالم كله محب محبوب ، وكل ذلك راجع إليه ، فكما أنه لا يعبد سواه بقوله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ كذلك

--> ( 1 ) مثال ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان كلما شرب لبنا في الحس ، تذكر شربه اللبن في الرؤيا ، وهو العلم ، فكان يدعو ويقول : « اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه » .